قبل ما يقارب المائة سنة انتقل جدي لأبي من الرياض إلى حائل .. عاش هناك وتزوّج بجدتي – رحمهم الله جميعاً – أبي رحمه الله تزوّج أيضاً هناك بأمي , وبدأ التنقل بين الرياض وحائل .. فكان من نصيبي أن تكون حائل مسقط رأسي ومنشأ السنوات الست الأولى لي .. وبعدها انتقلنا إلى الرياض كـ( جواب نهائي ) .. وبذلك أكون ضرماوية الأصل ( ضرماء إحدى المحافظات التابعة للرياض ) , حايلية الأم والمولد والطفولة .. مممم أعتقد بأني أقرب لأن أكون حايليه وإلا كيف ؟!! أغلب ذكرياتي بها تدور في بيتنا القديم و( كل ) ذكرياتي مع أبي رحمه الله فيها .. لذلك فهي تحتل مساحة كبيرة في قلبي حتى وإن كنت أكره الذهاب إليها في الإجازات ( قبل أن يُباع منزلنا هناك كانت أمي ” تجرّنا ” كل صيف لنقضي الشهر والشهرين فيها ولا يخفى عليكم ” كمية ” الملل والكآبة التي تصيبنا .. ) .. قبل أن أستقيل من عملي في البنك , كنت أعرف العميلات الحايليات من لهجتهن فينشرح صدري .. وأشعر بأنني أخدم أحداً أعرفه ومن أقاربي .. وزي ما يقولون ” العرق يحن ”
.. لا أريد أن تكون هذه التدوينة عني , بل أريد أن أعرفكم على تلك المدينة ( ديرة حاتم الطائي ) ..
حائل تقع في الشمال الغربي للمملكة , وتبعد عن الرياض ما يقارب الـ700 كيلو متر , تسمّى بعروس الشمال , أكثر ما يميزها كثرة الجبال بها وجوّها اللطيف نوعاً ما مقارنة بحر الرياض القاتل ! شتاءها بارد جداً جداً .. مدينة هادئة أهلها طيبين , بسيطين , مترابطين ( أيضاً مقارنة بالرياض !! ) ..
يتحدّث أهلها بلهجة مميزّه .. تقارب كثيراً لهجة أهل القصيم , إلا أن لهجة الحوايل ” برأيي ” ألطف وأخف وطئاً
.. مع احترامي للقصمان ( وجه يضرب سلام ) .. كثير من الناس يحبون لهجة أهلها بل ويكنون لهم ودّ ومحبة وتقدير .. يعني باختصار خوالي لهم شعبية
! من أشهر العبارات لديهم ” بعد حيي / يا بعد حيي / يا حيي وميتي ( مع تفخيم الميم ) ” .. وهي تقال تعبيراً عن المحبة وأحياناً تستعمل ( يا حيي ) للترجّي , مثل أن تطلب من شخص طلب فيرفضه , فتقول له مترجيّاً موافقته : (( يا حييييييي ))
.. ” يا ملّي ” تعبير آخر عن الحب وأعتقد إن لم أكن مخطئة أنها اختصار ( من لي ) فيقولون ( يا ملّي وكلي ) .. ” شنوحك ؟ / وللأنثى شنوحتس ؟ ” تعني ما بك ( شفيك ) ؟ .. ” بهاه ( بتفخيم الباء ) ” تعني هنا .. .. مممم ضاعت الكلمات لم يعد في رأسي المزيد
! .. عموماً أغلب حديثهم تميزه اللكنة نفسها ..
أكثر الأكلات الشعبية التي تشتهر بها حائل ما يسمى بالـ” كبيبه ” وهي عبارة عن ورق عنب محشي بالرز و ( تسفّط ) – >> تعبير يدل على حرفنه عالية المستوى في الطبخ !! – بأشكال سداسيّة وتطبخ مع اللحم .. لذيييذه بس مو الكل يضبطها ! .. ” التمّن ” رز ( مخبوص ) مع الخضار ( كوسه / قرع / لحم / وما أعرف وش بعد ) >> ما أحب هذي الأكله إذا أمي سوتها هذاك اليوم ما آكل معاهم
.. .. ” المقشوش ” تشبه مراصيع أهل الرياض لكنها ألذ وأكثر سمكاً .. لا أعلم إن كانت هناك أكلات أخرى غير ما ذكرت !
إجازة الصيف في حائل تعتبر موسم الزواجات .. قلّما تجد من يجعل حفل عرسه في غيرها من أيام السنة ! .. تبدأ الأعراس الساعة الثامنة مساءً وتنتهي في الثانية عشرة وإن تأخرت أكثر من ذلك تكون إلى الثانية صباحاً ( أتمنّى أن تصبح زواجات الرياض بهذا النظام ) .. يجتمع أهل العروس في الصالة ” القصر ” .. أما أقارب العريس ومعازيمهم فيجتمعون في بيت أهل ” المعرس ” ثمّ ينطلقون بسياراتهم مع العريس إلى صالة العرس ويسمّى هذا الموكب بالـ” سفاره ” .. في اليوم التالي من العرس يقوم أهل العريس بعمل عزيمة للعروس وتسمّى ” رحَالـَه ” , وهناك ما يسمّى بالـ ” طلاعَه ” ولا أعرف الفرق بينها وبين الأولى !! ( أظن مو الكل يسوي هذي العزايم بس هي من ضمن العادات اللي عندهم ) .. في الرياض لا يوجد أي نوع من التميّز في الزواجات أو العادات مثل أهل الشمال والحجاز وأهل الجنوب !
آخر زياراتي لحائل كانت قبل شهرين وأتوقع لو نالت اهتماماً أكثر ستصبح من أهم المصايف في المملكة , وهنا لمن أراد أن يعرف عنها أكثر .. فأنا حقيقة يصعب عليّ الوصف والحديث عن الأشياء المحسوسة أكثر من حديثي عن فكرة ما موجودة في رأسي .. فاعتذاري لحائل عن تقصيري في وصفها والحديث عنها .. لكني لم أتخيّل أن تخلو مدونتي من عطر ذكرها .. .. أحبها رغم ( الصكصكه , وكثر ماهو عيب فيها ) !!



